أوزان

"الطبعة الأولى ٢٠١٦"
   تألقت ..." بيروت"... في بداية ..." أوزان"... وعلى غلافه، فغدت عروساً جميلة ورقيقة تذوب حباً وغراماً:
بيروتُ يا بَيْروتُ.. لا تَتَرَدَّدِي
قولي: أحبُّكَ.. كَيْ يُعانِقَني غَدي
    أمّا ..."الحب الحقيقي لبيروت"... فقد تجذر في قلب الشاعر بعيني حتى غدا زاده اليومي وملجأه الوحيد لتقترن الروحان معاً في معبدها الذي جمع كل الأديان تحت سقف المحبة والرحمة:
كلُّ الْمَدائِنِ ضيّعَتْ عِنْوانَها
إلاّكِ يا بيروتُ.. يا وَشْمَ الْيَدِ
و كانت ..."بغداد"... العروس القابعة في عالم الحب والجمال، والتي تنتظر عريسها المتيم بها، ليصطحبها على صهوة جواده الأبيض الى عرزال الغرام والأماني والحب:
بَغْدادُ أنْتِ حَبيبتِي.. لا تَخْجَلي
منذُ الوُجُودِ، خُلِقْتِ يا بَغْدادُ لي
أحْبَبْتُ وَجْهَكِ.. وَالْغَرامُ حِكايَةٌ
مِثْلَ الدِّماءِ تَدَفَّقَتْ بِمَفاصِلي
إسْمِي على شَفَةِ الصباحِ كَتَبْتُهُ
إبْنُ العراقِ أنا.. أنا.. إنْ تَسْأَلِي
إِنِّي أُصَدِّقُ بَيْتَ شِعْرٍ رائِعِ:
"ما الْحُبُّ إلاّ لِلْحَبيبِ الأوَّلِ"
   وكانت ..."مصر"...  للبعيني ..."الأم الحنونة"... التي أباح لها بغرامه وعشقه المتيم وحزنه العميق لأم الدنيا، الذي لا يخفف وطأته إلآ حضن أمه:
يا مصرُ أنتِ الأُمُّ.. يا أُمّي اسْمَعي
منْ كثْرَة الأشواق ضاقتْ أضلـُعي
ما كلُّ هذا النيلِ نهرٌ واحدٌ 
فلقد وهبتُ النيلَ مَجْرى أدْمُعي
لو باحتِ الأهْرامُ بالحبِّ النقيْ
لعَلِمْتِ أنَّ القلبَ لمْ يرحلْ معي
مدّي اليدينِ إلى الحبيبِ ترفـُّقاً
من ليسَ يأتي المجدَ.. ليْسَ بمُبْدعِ
ها قد سكبْتُ الحبَّ عِطْرَ قصيدةٍ
فتنعّمي بالحُبِّ، ثمَّ تدلّعي..
كوني كما أنتِ احْتِضانَ أُمومَةٍ
مَنْ يجمعُ الأبناءَ.. إن لمْ تجمَعي؟
      أما ..."عمان"... فقد صورها البعيني كعشيقة جميلة تخفف وحشة الألم والغربه، وتمد يدها حاضنة البعيني بحنان مرهف، مخففة عنه ألمه، منصهرة وإياه في عالم الحب السرمدي:
يا أُرْدُنَ الأَحْبابِ هاتِ يداً
كالسّحرِ تَمْحُو غُرْبَةَ الأَلَـمِ
أَبْغِيكَ مَجْداً مُفْرِحاً أَبَداً
تَخْتالُ بينَ الزَّهْرِ والْقِمَمِ
الشّعبُ شَعْبِي.. والشّهيدُ أنا
عرشُ الثُّريّا مُنْتَهى حُلـُمي
      ووصف البعيني حبه الرقيق والجارف ..."لدمشق"... الذي كان يكنّه لها منذ الطفولة، فانشد قائلاً: 
هذي دمشقُ الحبُّ والأَلَقُ       
فيها يَهيمُ الوردُ والحَبَقُ
أحبَبْتُها من يَوْمِ ما وُجِدَتْ      
حُلْماً جَميلاً هابَهُ الأرَقُ
أهديْتُها الأشْعارَ مِنْ كُتُبٍ      
فيها الدُّنَى أجْدادُنا سَبَقوا 
   وأبى البعيني الا ان يبوح بحبه الجارف ..."للشام"... عندما أجاد وقال:
يا شامُ.. لم أعْشَقْ سِوَى وَطَنٍ    
سُكّانُهُ الأمْجَادُ لَوْ نَطَقُوا
أَلْبَحْرُ حُبُّكِ، والحَبيبُ أنا         
وَلَكَمْ غَرِقْتُ وَعافَني الغَرَقُ
وجاء الإعلان الصادق والجريء من البعيني لحبيبته ..."دبي"... التي عشقها بحب متيم وصادق، وأبدى رغبته ببناء عشه الغرامي على رمالها المتطايرة عشقاً وغراماً. أما رملها فبدا للبعيني كأنه تبر وهّاج يلامس هواءها العليل. 
   وكان وقع اسمها رقيقا في إذنه، فوصفه باللحن الشجي والطرب الأزلي يدندن للروح ويشنّف الآذان:
أَلرَّملُ تِبْرٌ، والهواءُ شذاً
وَلَقَدْ بَنَيْتُ مِنَ الشَّذا سَكنِي
أَلْمَوْجُ عَاتٍ والشِّراعُ أنا
مَنْ غَيْرُها.. تَشْتاقُها سُفُني؟
غَنَّيْتُ إِسْمَكِ يا دُبَيُّ كما
يَحْلُو لِحَرْفِ الضَّادِ وَالأُذُنِ
النَّجْمُ أَنْتِ، وَأَنْتِ قُبْلَتُنا
فَتَشَاوَفِي يا دُرَّةَ الْمُدُنِ
   وما أجمل القلب عندما يخفق بقوة لحبيبه، وما أنبل الحب الجارف والعارم الذي ملأ قلب البعيني وهام به شغفاً وغراماً ..."لتونس الخضراء"... التي أسكنها حنايا قلبه العارم بالحب الأبدي والذي دعاه في ..."أوزان"... الى معبد شعره ليقترنا سوياً بالزواج المقدس:
آن الأوانُ حَبيبَتِي
بِالْحُبِّ أَنْ تَتَغَطْرَسِي
إَنْتِ الأميرةُ والْمُنَى
والْعَرْشُ قَلْبِي.. فَاجْلِسِي
لا لَنْ يُحِبَّكِ عاشِقٌ
مِثْلِي.. فَهذا مِحْبَسِي
وكانت صرخة البعيني ..."للقدس"... داوية ومعاتبة فهو ابنها الذي يتغنى بوجودها مبدياً قلقه البالغ على مصير حالها، ولَم يتسنَ له يوماً تقديم أجمل الأوصاف لها، لذلك أسماها "مهد الضياء":
يا ديارَ القدسِ يا مهدَ الضياءْ
أخبريني كيف جاءَ الأنبياء
إنْ دعوتُ اللهَ.. أدعو خاشعاً
في ربوعِ الحقّ يختالُ الدُّعاءْ
أنا إبنُ القدسِ.. منْ مثلي أنا؟
يتغنّى بوجودي العظماءْ
وكان الحزن جليا في مناجاة البعيني لصديقه ..."عبد الوهاب البياتي"... والذي كما اشار البعيني ما زال ..."حيّا بين أمته"... يصدح شعراً عصامياً يبهر الجميع. إنه العظيم في أشعاره وأعماله وابداعه:
لا لمْ تمُتْ.. فالإسمُ حيّ بيننا
متشامخٌ.. يجتازُ كلَّ الأمكنه
يا "ابْنَ البيَاتيْ".. لا تسلْ عن مُمكنٍ
أشعارُكَ العصماءُ ليست مُمكنه
أنت العظيمُ المبدعُ الشّهمُ القويْ
إن لمْ تصدّق صرختي.. أنظرْ هنا
إني على جمرِ المحبّةِ أكتوي
هذا أنا.. هل زلتَ تذكرُ من أنا؟
   واحتلت ..." عبلى"... في ..." أوزان"...  مكانة هامة في قلب الشاعر فهي التي دغدغت أحاسيسه المرهفة، وهو الذي هام اشتياقاً الى لقياها مما جعله يظهر حباً جارفاً لجمالها وجسدها المفعمين بالحب والاثارة واللذين بادلهما البعيني ولهاً:
قَدْ يَرْحَلُ طَيْرٌ عَنْ عُشٍّ
لكِنَّ طُيُوري لَنْ تَرْحَلْ
أَشْعَلْتُ شُمُوعي إِكْراماً
لِلصَّدْرِ، وَلِلْقَدِّ الأَمْيَلْ
وَالرِّيقُ دِنانٌ مِنْ خَمْرٍ
وَأَنا مُشْتاقٌ كَيْ أَثْمَلْ
   وثار البعيني على "جبران خليل جبران" وعاتبه بقوة على صمته القاتل، وعلى تدهور مستوى الحرف والشعر، وما حلّ من هلاكٍ في بلده، وبالفلاحين والحرف:
جُبْرانُ.. يا جُبْرانُ ما بِكَ صامِتٌ
وَالثَّرْثَراتُ تُخَدِّرُ الأَسْماعا
وَالأَرْضُ يَذْبَحُها الْفُجورُ، كَأنَّهُ
بِدَمِ البَراءَةِ يُسْكِرُ الأَتْباعا
لَمْ يَبْقَ فينا سَيِّدٌ في رِزْقِهِ
فَلاَّحُنا هَجَرَ الْكُرومَ.. وَباعا
والْحَرْفُ وَسَّخَهُ الرُّعاعُ .. فَلَنْ تَرَى
حَرْفاً كَحَرْفِكَ مُشْرِقاً لَمَّاعا
**