عبلى

"الطبعة الأولى ٢٠١٦"  
   كم هي رقيقة وجميلة هذه المرأة التي غزت القلوب حناناً، ولامست الحنايا عشقاً،  ومن ثم قبعت زهواً في عشها الغرامي تداعب الحبيب تارة، وتلاطف إرجاءه تارة اخرى. 
   إنها ..."عبلى"... المرأة التي تغنى بها البعيني بأبيات جميلة ورقيقة ، ورنمَ لها ابياتَ حبٍ تنسابُ في حنايا الروح لتنشد عشقاً وهياماً وتقول:  آه من عشقك المتيم!. فلقد لامسني عطره الفواح  لينساب شوقاً وهياماً في شراييني . 
   اقتربي يا سيدتي... فإنّ  نفسي عطشى والظمأ يقتلني، زيديني عشقا فالوحشة تضنيني.. سيري على درب حياتي لنترافق سوياً في سكينة غربتي الموحشة والمظلمة .  
   في ..."عبلى"... ثار  البعيني على ..."الانسان الشرير"... ولقبه ..."بالذئب الذي يعوي"... وناصر الانسان ذا العاطفة والقوة: 
إنسانْ متل الدّيبْ بيعَوّي
وْإنْسان كلّو عاطفه وْقُوّه
لَيْش الْبَشَرْ بِالْعَقلْ مخْتلْفينْ
بْيِخْلَق هابيلْ بْيِقتلو قايينْ
وْبَعْدا الشّمس عَ النّاس بِتْضَوّي
وكم تمنى البعيني لو لعب دور "الله" ولو لبرهة صغيرة ليحقق اماله وجميع احلامه: 
لَوْ كنت أَلله بْغَيّرْ اللّي صَارْ
بْفَجّرْ شَبابْ بْشَيْبِة الْخِتْيارْ
بِطْمُر جْهَنّم بِالْورد والحُبّ
بِمْحي الْخَطِيّه الْـ عَشْعَشِت بالْقَلْب
وْأَوَّل ما بِلْغي المَوْت.. يا جَبّار
...
لَوْ كنتْ أَلله.. بِخْلَقْ الإنسانْ
عَ صُورْتي، تا يْعَمّرْ الأكْوانْ
...
لو كنت ألله بشنُقْ شْياطين
زَرْعُوا الفِتنِه بين دين ودين
وكم كان ..."وطأة الحب"... وهاجاً عند البعيني عندما اكتوى بناره في عمر ..."الخمسة والستين"... وأسكنه حنايا قلبه رافضاً ان يشاركه أحد حبيبته:  
 صرتْ بِالْخَمْسِه وْسِتّينْ
وْبِتْحُومْ عْلَيّي فْساتينْ
إنتي بقلبي ليل نْهارْ
وما بِعْشَقْ غَيْرِكْ حلْوين
...
غْزَلْتِلّك إيدي زنّار
وْسِيَّجْتِكْ مِتْل بْساتين
حبّيتِك.. والورد زْرارْ
وقطفتك باقةْ نسرينْ
وْلِبَّسْتِك إكْليل الْغارْ
وفُستانِكْ زَهْر الْياسْمين
وناجى البعيني حبيبته بقلب كبير عندما لقبته ..."يا صبي"... وكأنه طفل تلهو به ساعة تشاء، وتستفيد منه لتنال مرادها، فوضع النقاط على الحروف، وأبرز لها صورته الحقيقية المفعمة بالرجولة والتي لم تخفق يوماً في تقديم الحنان المرهف لحبيبته: 

حاجي بَقى.. بْدَقّات قَلْبي تِلْعَبي
وِتْنَكِرْزِيني.. وْتِنْدَهيلي: يا صَبي
...
هَيْدا "الصّبي" اللي نَحْتِكْ بْإيدَيْه
آيِةْ جَمالْ.. وْحَبْسِك بْعِينَيْه
وْخَلاَّ الرّجولِه تْحَمِّرْ خْدُودِكْ
وِتْوَقّف الْكَرْزاتْ عَ نْهُودِكْ
وْراسِكْ ما يِتْكي غَيْر عَ إجْريْه
وطالب الشاعر ..."عبلى"... بان توزع الشهامة للبشر ليصبحوا قديسين خاشعين صادقين وخالين من الكذب: 
فيكي يا "عَبْلى" تْعَقّلي مْجانينْ
فيكي يا "عَبْلى" تْوَزّعي شْهامه
وِتْحَوّلي هَـ النّاس قِدّيسين
لا بْيِحلْفوا بِـ ألف دينْ وْدينْ
وْلا بيكذبوا.. ولا بْيِسِرْقُوا أْسامي
   اما البعيني الذي لقب  نفسه بالمسكين،  سيبقى أسير الانتظار لحبيبة لامست روحه، وملكت كيانه، لكن عامل الرد كان طاغياً على علاقتهما، مما جعله يطوي صفحة الحب الجارف، وينتظر منها علامة لتحرك ساكنه: 
وْبَعْدِي أنا المسكين
ناطِرْ قبل تِشْرينْ
تْجِيني يا "عَبْلى" منّك عْلامِه
تِرْضي غَرامي وكل أحلامي
وكانت فرحة البعيني عارمة عندما البس ..."الطرحة البيضاء"... لحبيبته وجال معها في  أطراف الوطن لبنان، وبالأخص في ضيعته الجميلة ..."مجدليا"... فاشترى لها الذهب والألماس من مدينة ..."طرابلس"...، وزار معها مدينة ..."البترون"... الاثرية ليعرفها على معالم الوطن، ومن ثم أطعمها الليمون والقمح والزبيب في ..."الكورة"... ، وأبى الا ان تاكل الخضروات من "...أهدن"...  و..."أميون"... اما التفاح الشهي فلا يحلو قطافه الا من مدينة ..."بشري"... ليزهر ورداً جورياً على وجنتي حبيبته. 
   ولا يمكن لرحلة الحبيبين ان تحلو الا بمذاق طيب وفريد من الكبة في مدينة ..."زغرتا"...، لينتهي المطاف في مدينة ..." المجد"... التي غردت طرباً وزهواً بقدوم العروسين الى دفء أحضانها ساكنين دوماً في منازلها المضيافة والجميلة: 
مْنِ "طْرابْلُس" رَح إِشْتِري الطَّرْحَه
والدّهب والإلْماسْ
وْحَوّل عَلَى "الْبَتْرون" تا الْفَرْحَه
تِكْمَلْ بِعين النّاسْ
...
وْرَح جِبْلِك الليْمونْ
والقمح والزَّيتون
مِنْ "كورْتي" الْخَضْرا
وْمِنْ "إِهْدِن" وْ"أميونْ"
حَوِّشْلِكْ الْخِضْرَه
وتفّاحة "بْشَرّي"
...
مْنِنْزلْ عَلَى "زْغرتا"
تا ناكُل الْكِبّه
...
وْمنْ بَعْد شي مليونْ آويها
وصلنا عَ ضيْعَه مجدها بْيِحْكي
هايْ "مِجِدْلَيَّا"..
بَسّ حِبّيها
...
يا ساكنه بْقلْبي
وْدَرْبِك عَلَى دَرْبي
نْكايِه بهـ الغُرْبِه
رَحْ نِنْتِهي فيها
   وتحدى البعيني القبيلة التي حرمته من رؤية ...."عبلى.... وصمم على المجيء ليعلن لها عن حبه الجارف المفعم بنار الشوق غير آبهٍ بالنميمة التي تلاحقه:
لَيْش الْقَبيلِه مْشَعّلِه نارا
وحانْ الوقتْ زورِكْ
وْإِتْنَشَّق عْطُورِكْ؟
وْكيفْ بَدّي وَقّفْ زْيارَه
...
النّار.. بعدا نارْ
وِعْيُونهُنْ زنّارْ
رْجال الْقبيلِه بْيِسْهَروا
تا يْفبِرْكوا أخبارْ
...

جايي أنا بِالْخِفّْ
لا صْهيل.. لا دَعْساتْ
لازِمْ بحُبِّكْ إِحْتِفي
وْلِكْ.. حَضّري الْبَوساتْ
والشّم.. واللّمْسات
وْلا تِفْزَعي لو جفِنْ إِمِّكْ رَفّ
لابس أنا الْقِبْع الْخَفي
      في "عبلى" يثور البعيني على "الشرق الأوسط"، وحكامه،  وأهله،  الذين يزرعون الطائفية، ويحاربون، ويفرقون باسم الدين،  مندداً بالظلم، وموصياً بنشر المحبة باسم الصليب والهلال:
بُكْرا صَليبي بْيِغْمُر هْلالِكْ
وْمِنْ هَـ الْمَحَبِّه بْتِنْبُت عْيالِكْ
لا طائفيّه، لا بُغض، لا حْروبْ
رضْعُوا حَليبِكْ.. وَزّعُوا خْصَالِكْ
مِنْ فَردْ كِلْمِه بْيِنْقَرا الْمَكتُوبْ
ألله مْحَبِّه.. وَسّعي مْجالِكْ
لَيْش الشَّرق يا "عَبِلتي" مَغْضُوبْ
بْيِقْتُل بِإسْم الدِّينْ أَطْفالِكْ
مَطْلُوبْ مِنّا.. نْنَفِّذ الْمَطْلُوبْ
نْخَلِّي الصَّحارى تْعانِقْ جْبالِكْ
نْخَلِّي الْفَقيرْ الـ ع الدّرب مَصْلُوبْ
يْبَوْرِدْ لَهيبو بْفَيِّة خْيالِكْ
مْنُوصَل لَ أَلله عَ دْرُوبْ دْروبْ
وْدَرْبِك الأسْرَع.. يا هْنِيّالِكْ
ويناجى البعيني ضيعته ..."مجدليا"... وأوصاها ..."بحبيبته"... القادمة اليها، فهي التي اسكنها في قلبه وعيونه، وكانت له دوماً المرأة الغالية والرقيقة، التي تفيض حناناً وعشقاً اقترنا بنور لامسه الخالق ليزهر وردة جورية: 
يا مِجِدْلَيَّا.. هَـ الْمِجِدْلِيِّه
الْجايي لْعِنْدِكْ.. رَحّبي فيها
سِكَّنْتها جُوّات عِينيّي
وْصفّيتْ دَمْع الْعَيْن إِسْقيها
شِعْلِةْ وَفا.. بِتْفيضْ حِنِّيِّه
ألله.. مِتلْ قِنْديلْ ضَاويها
   وصور الشاعر حزنه الشديد على فراق ..."عبلى"... التي تركته ورحلت الى البعيد غير آبهة بعواطفه النبيلة تجاهها: 
لِمّنْ ما نِمْتِي بِالْمَسا حَدِّي
بْنيرانْ دَمْعِي حْرَقِتْ الِمْخَدّه
وْشِعْلِتْ شْفافي مِتِلْ شِي تَنُّورْ
دُوسي الْجَمرْ.. بَعْدُو عَلَى خَدِّي
وْصِرْت إِنْدُرْ لِلْمَحبّه نْدُورْ
وْإنْدَهْ يا "عَبْلى".. الصَّوْت ما يْوَدِّي
إِرْسُمْ نْجُومْ.. وْتَحْت مِنْها بْدُورْ
وْإِكْتُبْ شِعْر.. وِالرّمْل مِسْوَدّه
**